۩ القائمة الرئيسية ۩
۩ فوائد علمية ۩
۩ القصص الدعوية ۩
۩ البحث ۩
۩ الاستشارات ۩
۩ إحصائية الزوار ۩
۩ التواجد الآن ۩
يتصفح الموقع حالياً 42
تفاصيل المتواجدون
:: البَعْثُ... الحَقِيقَةُ الَّتِي لا مَهْرَبَ مِنْهَا ::
المقال
:: البَعْثُ... الحَقِيقَةُ الَّتِي لا مَهْرَبَ مِنْهَا ::
ظافر بن حسن آل جبعان
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ
البَعْثُ... الحَقِيقَةُ الَّتِي لا مَهْرَبَ مِنْهَا
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين،
والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
منذ أن خلق الله الإنسان، وهو
يسيرُ في رحلةٍ محدودةِ المراحل؛ يبدأها بميلاده، ويقطعها
بعمله، ويختمها بموته، غير أنَّ الموت ليس آخر الطَّريق، ولا نهاية الوجود،
وإنَّما هو الباب الَّذي يفضي إلى الحياة الآخرة، حيث البَعْثُ والنشور، والحساب
والجزاء. ولهذا لم يكن الإيمان بالبعث قضيةً غيبيةً فرعيَّة، بل جعله الله ركنًا مِن
أركان الإيمان، وقرنه بالإيمان به سبحانه في مواضع كثيرة مِن كتابه؛ لأنَّ الإيمان
باليوم الآخر هو الَّذي يمنح الحياة معناها، ويجعل للأعمال ثمرتها، وللعدل غايته،
وللخلق حكمته.
ولذلك أكثرَ القرآنُ الكريم مِن
الحديث عن البعث، حتَّى لا تكاد تخلو سورة من
الإشارة إليه تصريحًا أو تلميحًا؛ إذ لا يستقيم قلبٌ غفل عن آخرتِه، ولا تنصلح
نفسٌ نسيت أنَّها ستقف بين يدي ربِّها؛ فالإنسانُ إذا أيقن أنَّ كل كلمةٍ ينطق
بها، وكل عملٍ يعمله، وكل حقٍّ يؤدِّيه أو يضيِّعه، سيجده مكتوبًا في صحيفة عمله،
أصبح أكثر مراقبةً لربِّه، وأبعد عن الظُّلم، وأسرع إلى الطَّاعة.
ولم يكن إنكار البعث أمرًا
جديدًا، بل هو شبهةٌ قديمةٌ ردَّدها المكذِّبون بالرُّسل جميعًا؛ فقد استبعدوا أن
تعودَ الأجساد إلى الحياة بعدما صارت ترابًا وعظامًا نخرة، وقالوا مستنكرين: ﴿أَإِذَا
مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾
[الصافات:15، 53]، وقال بعضهم: ﴿مَنْ
يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:
78].
غير أنَّ القرآن لم يكتفِ بإبطال هذه الشُّبهة، بل أقام عليها مِن الحُجج والبراهين ما يقطع العذر، ويطمئن العقل؛ فذكَّر الإنسان بأوَّل خلقه، وأنَّ الَّذي أنشأه مِن نطفةٍ ضعيفةٍ قادرٌ على أن يعيده بعد موته، بل إنَّ الإعادة أهون في تصوُّر البشر من الابتداء، وإن كانت قدرة الله لا تفاوت فيها بين الأمرين. قال تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: 79].
ولم يقتصر القرآنُ على هذا الدَّليل، بل دعا الإنسان إلى النَّظر في آيات الله المشهودة؛ فإحياء الأرض بعد موتها، وخروج النَّبات مِن التَّراب اليابس، وتقلُّب اللَّيل والنَّهار، وابتداء خلق الإنسان، كلُّها شواهد قائمة على أنَّ القادر على الإيجاد أوَّل مرةٍ قادرٌ على الإعادة مرةً أخرى. ولهذا قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى﴾ [فصلت: 39].
ولم يكن المقصود مِن تقرير البعث
مجرَّد إقامة البرهان، وإنَّما إصلاح الإنسان؛ فمن
استقرَّ الإيمان بالبعث في قلبه، علم أنَّ الدُّنيا ليست دار إقامة، وإنَّما دار
عمل، وأنَّ الآخرة هي دار القرار؛ فيرقبُ ربَّه في السِّرِّ والعلن، ويؤدِّي
الحقوق إلى أهلها، ويتحلَّل مِن المظالم، ويزهد في زخارف الدُّنيا، ويستكثر مِن
العمل الصَّالح؛ لأنَّه يعلم أنَّ كلَّ ما يزرعه هنا سيحصده هناك.
إنَّ الغفلة عن البعث هي الَّتي
تطيل الأمل، وتجرِّئ على المعصية، وتزيِّن الظُّلم،
أمَّا استحضاره فإنَّه يوقظ القلب مِن رقدته، ويكبح جماح الهوى، ويجعل العبد يحاسب
نفسَه قبل أن يُحاسَب، ويزن أعمالَه قبل أن تُوزَن عليه. ولهذا كان السَّلف يكثرون
من ذكر الموت والدَّار الآخرة، لا لأنَّهم يكرهون الحياة، ولكن لأنَّهم أرادوا أن
يحسنوا الاستعداد لما بعدها.
فما أحوج المسلم إلى أن يجعل حقيقة البعث حاضرةً في قلبه كلَّ يوم، فإنَّ من أيقن أنَّه سيقف بين يدي الله، وأنَّه سيُسأل عن عمره وعمله وماله، لم يغترَّ بزينة الدُّنيا، ولم يفرِّط في طاعة ربِّه، ولم يظلم أحدًا مِن خلقه. قال تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
فنسأل الله أن يجعلنا ممَّن يؤمنون بلقائه حقَّ الإيمان، ويستعدُّون لذلك اليوم بالأعمال الصَّالحة، وأن يختم لنا بالحسنى، ويجعل خير أيَّامنا يوم نلقاه، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.




