۩ البحث ۩



البحث في

۩ إحصائية الزوار ۩

الاحصائيات
لهذا اليوم : 2037
بالامس : 1399
لهذا الأسبوع : 9275
لهذا الشهر : 31263
لهذه السنة : 481443

۩ التواجد الآن ۩

يتصفح الموقع حالياً  51
تفاصيل المتواجدون

:: عُبوديَّةُ التَّعوُّدِ ::

المقال

:: عُبوديَّةُ التَّعوُّدِ ::

 ظافر بن حسن آل جبعان

بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

عُبوديَّةُ التَّعوُّدِ

ما أقسى أن يظنَّ الإنسانُ أنَّه حُرٌّ، وهو في الحقيقة أسيرُ عادةٍ استولت على إرادته، وقَيَّدت عقلَه، حتَّى أصبح يدور في حلقةٍ لا يكاد يجد لها مخرجًا؛ فليست العُبوديَّةُ دائمًا قيودًا مِن حديد، بل قد تكون عادةً سيِّئةً يخضع لها الإنسان باختياره، ثمَّ لا يلبث أن يصيرَ عبدًا لها.

والأعجبُ مِن ذلك أنَّ الَّذي يقودُ هذه العُبوديَّةَ ليس الحقيقةَ، بل الوَهْمُ؛ إذ يلبسُ الباطلَ ثوبَ الحقِّ، ويُقنعُ الإنسانَ بأنَّ ما يُضعِفُه يقوِّيه، وأنَّ ما يُهلِكُه يُنجيه؛ فيتعلَّقُ بعادتِه، ويحسبُها مصدرَ راحةٍ وسكينةٍ، وهي في الواقعِ تستنزفُ قوتَه وإرادتَه، وتُطفئُ عزيمتَه، وتُفرغُ روحَه من قدرتِها على المقاومة؛ وما هي إلا أوهامٌ كرَّرها على نفسِه حتَّى استقرَّت في عقلِه، فأخذ يُصدِّقُها، ويُدافعُ عنها كأنَّها حقائقُ لا تقبلُ النِّقاش.

ومِن أوضح الأمثلة على ذلك التَّدخينُ؛ إذ يقول المدخِّنُ: «لا أستطيع تركَه»، وكأنَّه يعترف بأنَّ زمامَ نفسِه لم يعد بيده؛ ويزعم آخر أنَّه يهرب به مِن هموم الحياة وكدرِها، غير مُدركٍ أنَّه لا يهرب مِن أوجاعه، بل يهرب إليها، فيهدم آخر الحصون الَّتي يحتمي بها وهو جسدُه، فيقدِّم صحَّتَه قربانًا لوهمٍ لا وجود له.

وليست هذه الصُّورة حكرًا على التَّدخين؛ فكم مِن إنسانٍ أصبح أسيرًا لهاتفِه، لا يطيق الابتعاد عنه دقائق معدودة، متوهِّمًا أنَّه يقتل الفراغ، بينما هو يقتل وقتَه وعمرَه.

وكم مِن آخر استعبدَه التَّسويفُ، فلا يكفُّ عن تأجيل أعماله مردِّدًا: «سأبدأ غدًا»، حتَّى صار الغدُ سرابًا لا يأتي.

ومنهم مَن اتخذ الطَّعام ملجأً كلَّما ضاقت به الحياة، يظنُّ أنَّه يبتلعُ همومَه، فإذا به يلتهم صحَّتَه قبل أن يلتهمَ طعامَه.

وآخرون أسرهم السَّهرُ، أو الغضب، أو الشَّكوى الدَّائمة، حتَّى غدت هذه العادات جزءًا مِن شخصياتِهم، وما هي في الحقيقة إلا قيودٌ خفيَّةٌ صنعوها بأيديهم.

إنَّ أخطرَ ما في العادة السِّيِّئة أنَّها تبدأ ضعيفةً، ثم يقوِّيها التَّكرارُ، حتَّى تصيرُ سيِّدًا آمرًا، ويغدو الإنسان مأمورًا بعد أن كان مخيَّرًا؛ وهنا يفقد حرِّيَّتَه شيئًا فشيئًا، لا لأنَّ أحدًا قيَّده، بل لأنَّه سلَّم إرادتَه لوهمٍ صدَّقه، ثمَّ عاش أسيرًا له.

إنَّ الحرِّيَّةَ الحقيقيَّةَ لا تكونُ إلَّا بالانتصارِ على النَّفسِ، وكسرِ قيودِ العاداتِ السَّيِّئةِ، والإيمانِ بأنَّ الإنسانَ أقوى مِن وهمِه إذا صدقت عزيمتُه، واستعانَ باللهِ، وصبرَ على مشقَّةِ التَّغييرِ؛ فالعاداتُ هي ثمرةُ ما يكرِّره الإنسان؛ فإنْ كان خيرًا ارتقى، وإنْ كان شرًّا هوى.

إنَّ الإنسانَ لم يُخلَق ليبقى عبدًا لعاداته، بل مُنِح عقلًا يميِّز، وإرادةً تختار، وإنَّ أوَّلَ طريقِ الخلاص أن يعترف بأنَّ ما يستعبده ليس ضرورةً، وإنَّما وَهْمٌ لبس ثوب الحقيقة. فإذا انكسر هذا الوهم، بدأ القيد يضعف؛ ثمَّ يأتي بعد ذلك صدقُ العزيمةِ، فلا يحاول الإنسانُ تغيير حياتِه دفعةً واحدة، بل يقطع مع عادته خطوةً بعد خطوة، ويستبدلها بعادةٍ صالحة، ويبتعد عن كلِّ ما يذكِّره بها، ويستعين بأهل النُّصح والصَّحبة الصَّالحة، ويُكثِر مِن الدُّعاءِ، ويستمدُّ قوَّته مِن يقينه بالله، لا مِن ضعفه أمام شهوتِه.

فالعادةُ لا تزولُ بمجرَّدِ التَّحسُّرِ عليها، ولا تنكسرُ بكثرةِ التَّمنِّي، وإنَّما يَهدِمُها صدقُ المُجاهدةِ، ودَوامُ المدافعةِ، والصَّبرُ على مرارةِ الفِطامِ عنها، مع الاستعانةِ بالله، وكثرةِ دعائِه، والافتقارِ إليه؛ فبيده سبحانه تثبيتُ القلوبِ وتقويةُ الإرادات؛ فإذا صدق العبدُ في لجوئِه إلى ربِّه، أعانه، وثبَّته، حتَّى تستردَّ إرادتُه سلطانَها، ويعودَ حُرًّا من أسرِ عادتِه، عابدًا لله وحده كما أراده الله.

وهكذا يتبيَّن أنَّ عُبوديَّةَ التَّعوُّدِ مِن أخطر أنواع العُبوديَّة؛ لأنَّها لا تُقيِّد الجسد فحسب، بل تستعبدُ العقل والإرادة، وتسلبُ الإنسانَ حرِّيَّةَ قرارِهِ، وتجعلُه يظنُّ أنَّه لا يستطيع العيش إلا بما يؤذيه، حتَّى ينسى أنَّ الحُرِّيَّةَ الحقيقيَّةَ تبدأ مِن لحظةٍ يقول فيها لعادته: لن أكون عبدًا لك بعد اليوم، فإذا صدقت العزيمة، واستُعين بالله، هانت أقوى العادات، وانكسرت أشدُّ القيود، وصدق في صاحبها وعدُ الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

جديد المقالات

صفحة جديدة 1

تابعنا على الواتساب

تصميم وتطوير كنون