۩ البحث ۩



البحث في

۩ إحصائية الزوار ۩

الاحصائيات
لهذا اليوم : 938
بالامس : 2287
لهذا الأسبوع : 938
لهذا الشهر : 32451
لهذه السنة : 482631

۩ التواجد الآن ۩

يتصفح الموقع حالياً  36
تفاصيل المتواجدون

:: على قدرِ الكسرِ يكونُ الجبرُ ::

المقال

:: على قدرِ الكسرِ يكونُ الجبرُ ::

 ظافر بن حسن آل جبعان

على قدرِ الكسرِ يكونُ الجبرُ

قال ابن رجب -رحمه اللهُ تعالى-:

(إنَّ المؤمِنَ إذا اسْتَبْطَأَ الفرجَ ويئسَ منه، ولا سيَّما بعد كثرةِ الدُّعاءِ وتضرُّعِه، ولم يَظهر له أثرُ الإجابةِ، رجعَ إلى نفسِه باللَّومِ، يقولُ لها: "إنَّما أُتِيتُ مِن قِبَلِكِ، ولو كان فيكِ خيرٌ لأُجِبْتُ."

وهذا اللَّوْمُ أَحَبُّ إلى اللهِ مِن كثيرٍ من الطَّاعاتِ، فإنَّه يُوجِبُ انكسارَ العبدِ لِمولاهُ، واعترافَه له بأنَّه ليس بأَهلٍ لإجابةِ دُعائِه.

فلذلك يُسْرِعُ إليه حينئذٍ إجابةُ الدُّعاءِ وتَفريجُ الكَرْبِ، فإنَّهُ تعالى عندَ المُنْكَسِرَةِ قُلوبُهُم من أَجْلِهِ، وعلى قَدْرِ الكَسْرِ يكونُ الجَبْرُ) ([1]).

هذا النَّصُّ النَّفيسُ مِن كلامِ الإمامِ ابنِ رجبٍ -رحمه اللهُ تعالى-، يفتحُ لنا نافذةً على أعظمِ أسرارِ العُبوديَّة، وأشدِّها أثرًا في العلاقةِ مع الله تعالى، وهي لحظةُ انكِسارِ القلبِ عند تأخُّرِ الفَرَج، وتوقُّفِ الإجابة، وامتدادِ زمنِ البلاء.

فالمؤمنُ، حين يطولُ عليه البلاء، وقد أَلَحَّ في الدُّعاءِ مرارًا، ولم يَرَ للأمرِ فرَجًا، لا يتَّجه إلى التَّذمُّر، ولا إلى الشَّكوى مِن تأخُّرِ الإجابة، بل يُلقي باللَّومِ على نفسه، ويشعرُ بتقصيرِه، ويُقِرُّ أنَّه إنَّما حُرِم بسببِ ما في قلبِه مِن خللٍ أو ما في عملِه مِن نقص؛ وهذا اللَّوْمُ الذَّاتيُّ لا يُورِثُه يأسًا، بل يقودُه إلى كمالِ الأدبِ مع الله، وإلى مقامٍ عظيمٍ مِِن مقاماتِ الإيمان، وهو مقامُ الانكِسارِ بين يدي الله.

ابنُ رجبٍ -رحمه اللهُ تعالى- لا يُبالِغ حين يقول: (وهذا اللَّومُ أحبُّ إلى اللهِ مِن كثيرٍ مِن الطَّاعات)، لماذا؟

لأنَّ الطَّاعاتِ قد يُداخِلُها رِياءٌ أو غُرورٌ أو عُجْب، أمَّا هذا الانكِسارُ فلا يكونُ إلَّا من قلبٍ ذاق مرارةَ القُربِ المُنكَسِر، وصِدقَ الذُّلِّ، وحرارةَ الاعترافِ بالحاجة. في هذه الحالة، يُصبحُ العبدُ في حالٍ من الصِّدقِ والافتِقار، لا يُنافِسُه فيها عملٌ، ولا دعاءٌ مُزخرف.

ثمَّ يَخْتِمُ الإمامُ بكلمةٍ عظيمة: (وعلى قدرِ الكَسْرِ يكونُ الجَبْر). نعم، فكما أنَّ الجَبْرَ لا يُمنَحُ إلَّا لمن كُسِرَ، فإنَّ عِظَمَ الجَبْرِ لا يُعطى إلَّا بقدرِ عُمقِ الكَسْر؛ وكلَّما ازداد القلبُ خُضوعًا وانكِسارًا، اقتربَ موعدُ الفَرَج، وسُرِّعَ إليه الجواب، وأُفيضت عليه الرَّحمات.

هذا الكلامُ ليس مجرَّدَ وعظ، بل هو تربيةٌ قلبيَّةٌ رفيعة، تجعلُنا نُعيدُ فهمَنا للبلاء، ولتأخُّرِ الفَرَج، وللدُّعاءِ الَّذي لا يُجابُ سريعًا؛ فكلُّ تأخيرٍ فيه تربية، وكلُّ انكِسارٍ فيه إعداد، وكلُّ شعورٍ بعدمِ الاستحقاق، فيه ترقيةٌ إلى مقامِ القُربِ والرِّضا.

رَحِمَ اللهُ ابنَ رجب، ما أعمقَ فِقهَهُ في دقائِقِ النُّفوس، وما أرهفَ فَهمَهُ لطبائعِ القلوب حين تَقِفُ بين يدي الله تعالى.



([1]) «جامعُ العلوم والحكم» 1/494 (تحقيق: الأرنؤوط).

جديد المقالات

صفحة جديدة 1

تابعنا على الواتساب

تصميم وتطوير كنون