۩ القائمة الرئيسية ۩
۩ فوائد علمية ۩
۩ القصص الدعوية ۩
۩ البحث ۩
۩ الاستشارات ۩
۩ إحصائية الزوار ۩
۩ التواجد الآن ۩
يتصفح الموقع حالياً 50
تفاصيل المتواجدون
:: سُنَّةُ التَّدافُعِ... ومَوْقِفُ المُسلِمِ في زَمَنِ الفِتَن ::
المقال
:: سُنَّةُ التَّدافُعِ... ومَوْقِفُ المُسلِمِ في زَمَنِ الفِتَن ::
ظافر بن حسن آل جبعان
بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيم
سُنَّةُ التَّدافُعِ
ومَوْقِفُ المُسلِمِ في زَمَنِ
الفِتَن
إنَّ مِن
أعظم السُّننِ الَّتي أخبرَ اللهُ تعالى بها في كتابِه، وجرى عليها تاريخُ
البشريَّة، سُنَّةُ التَّدافُع بين الحقِّ والباطل، والخيرِ والشَّرِّ، والإيمانِ
والطُّغيان؛ فهذه السُّنَّةُ ماضيةٌ في الخلقِ إلى قيامِ السَّاعة، لا تنفكُّ عن
حياةِ النَّاس، ولا تنقطعُ في واقعِهم؛ قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾
[البقرة: 251]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾
[الحج: 40].
فهاتان
الآيتان العظيمتان تُقرِّران قاعدةً كبرى مِن قواعد هذا الكون، وهي أنَّ اللهَ
تعالى يدفعُ أهلَ الباطلِ بأهلِ الحقِّ، ويكفُّ شرَّ قومٍ بقومٍ آخرين، ولو تُركَ
الباطلُ بلا مَن يُقاومه أو يردُّه، لَعَمَّ الفسادُ في الأرض، وضاعتِ الحقوق،
وفسدت حياةُ النَّاس.
وليس
التَّدافُعُ مقصورًا على ميدانِ القتال، بل هو
أوسعُ مِن ذلك بكثير؛ فهو يكونُ بالحُجَّةِ والبيان، وبالعلمِ والدَّعوة،
وبالصَّبرِ والثَّبات، وبالإصلاحِ والأمرِ بالمعروف والنَّهيِ عن المنكر، فالمؤمنُ
يدفعُ الباطلَ بالحقِّ، ويُقابِلُ الشَّرَّ بالإحسان، ويُقاوِمُ الفسادَ بالإصلاح.
وقد
أشار القرآنُ إلى هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:
34]، فالتَّدافُعُ هنا يكونُ بالأخلاقِ الحسنة، وبالصَّبرِ والحلم،
وبإظهارِ الحقِّ في وجهِ الباطل.
إنَّ
النَّاظرَ في أحداثِ العالمِ اليوم يرى صُوَرًا كثيرةً مِن الصِّراعِ والاضطراب،
وتقلُّبِ الأحوال، وكثرةِ الفتن، غير أنَّ المؤمنَ
الصَّادقَ لا ينظرُ إلى هذه الأحداثِ نظرَ اليائسِ القانط، ولا نظرَ المندهشِ
الحائر، بل ينظرُ إليها في ضوءِ سُننِ اللهِ في الكون.
فما
يقعُ مِن صراعٍ بين الحقِّ والباطل، أو بين الظُّلمِ والعدل، إنَّما هو جزءٌ مِن
هذه السُّنَّة الإلهيَّة الَّتي أخبرَ اللهُ بها؛ ولذلك فإنَّ الواجبَ على المسلم
أن يكونَ بصيرًا بالأحداث، ثابتَ القلب، راسخَ الإيمان.
وقد
أخبرَ النَّبيُّ ﷺ
عن وقوعِ الفتنِ في آخر الزَّمان، فقال: «بَادِرُوا
بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِم»
[أخرجه مسلم]؛ فدلَّ الحديثُ على أنَّ
زمنَ الفتنِ يحتاجُ إلى المسارعةِ إلى الطَّاعات، والتَّمسُّكِ بالدِّين، لا إلى
الاضطرابِ والانشغالِ بالجدالِ والخصومات.
ومن
أهمِّ ما ينبغي على المسلم في زمنِ الأحداثِ المتلاطمة أن يتذكَّر أنَّ النَّصرَ
والتَّمكينَ بيدِ اللهِ وحده، وأنَّ الأمورَ كلَّها تجري بقضائه وقدره؛ قال تعالى:
﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾
[آل عمران: 160]، ولذلك فإنَّ موقفَ
المسلمِ الحقِّ يقومُ على أمورٍ عظيمة، مِن أهمِّها:
أولًا:
الثِّقةُ باللهِ وحُسنُ الظنِّ به؛ فالمؤمنُ
يعلمُ أنَّ اللهَ حكيمٌ في تدبيره، عليمٌ بما يجري في خلقه، وأنَّ ما يقعُ في هذا
الكون إنَّما يقعُ بحكمةٍ قد تخفى على كثيرٍ مِن النَّاس، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى
أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة:
216].
ثانيًا:
التَّثبُّتُ في الأخبار؛ ففي زمنِ الفتنِ تنتشرُ
الشَّائعاتُ، ويكثرُ الكذبُ والتَّهويل، وقد أمرَ اللهُ بالتَّثبُّت فقال: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾
[الحجرات: 6]، وقد قال النبيُّ ﷺ: «كَفَى
بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»
[أخرجه مسلم].
ثالثًا:
الاشتغالُ بالإصلاحِ لا بالإفساد؛ فالمؤمنُ
لا يكونُ جزءًا مِن الفوضى، ولا مُعينًا على نشرِ الفتن، بل يكونُ داعيةً إلى
الخير، مُصلحًا بين النَّاس، ساعيًا في جمعِ الكلمة وإطفاءِ نارِ الشِّقاق، قال الله
تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾
[البقرة: 205].
رابعًا:
التَّمسُّكُ بالعبادة والطَّاعة؛ فزمنُ الفتنِ أحوجُ ما
يكونُ إلى تقويةِ الصِّلة بالله؛ بالصَّلاة، والذِّكر، وتلاوةِ القرآن، والدُّعاء؛
وقد قال النَّبيُّ ﷺ:
«الْعِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»
[أخرجه مسلم]، أي إنَّ العبادةَ في
زمنِ الفتنِ لها أجرٌ عظيم؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس ينشغلون فيها بالدُّنيا
والخصومات.
خامسًا:
الصَّبرُ والثَّبات؛ فإنَّ طريقَ الحقِّ لا يخلو مِن
ابتلاء، وقد جرت سُنَّةُ اللهِ أن يُمتحنَ المؤمنون؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة:
155]، وقد قال النَّبيُّ ﷺ:
«أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ
فَالأَمْثَل» [أخرجه
التَّرمذيُّ].
إنَّ
فهمَ سُنَّةِ التَّدافُع يُعطي المؤمنَ بصيرةً في النَّظر إلى الأحداث؛
فلا ينهارُ عند الشَّدائد، ولا يغترُّ عند الرَّخاء، بل يعلمُ أنَّ الحقَّ
والباطلَ في صراعٍ مستمرّ، وأنَّ العاقبةَ في النِّهاية للمتَّقين، قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:
128].
فمتى
تمسَّكَ المسلمُ بدينه، وثبت على الحقِّ، وسعى في الإصلاح، كان
جزءًا من هذا التَّدافُع المبارك الَّذي يحفظُ اللهُ به الدِّينَ، ويمنعُ به
الفسادَ في الأرض.
نسألُ
اللهَ أن يُبصِّرَنا بسُننِه في خلقِه، وأن يجعلَنا من أهلِ الحقِّ والثَّبات، وأن
يصلحَ أحوالَ المسلمين، ويجمعَ كلمتَهم على الهدى والتُّقى، واللهُ
أعلمُ، وصلَّى اللهُ وسلَّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبِه أجمعين.




